مسرحية “غصة عبور”..عبثية التأطير وسيميائية التعبير

 كتب، الناقد والأكاديمي، محمد الأمين بحري، أنه قد  شهد يوم الأربعاء 7 جويلية، بقاعة الزعاطشة في ولاية بسكرة، العرض الثاني لمسرحية “غصة عبور” للكاتبة الكويتية “تغريد داود”، من إنتاج مسرح باتنة وإخراج توفيق بخوش، ومعالجة درامية لإسماعيل سوفيط.

أولا

اللوحة الإطارية واللوحات الضمنية

حافظ العرض على لغة النص الفصيحة، واعتمد فريقاً تمثيلياً شاباً ( بقيادة الوجه الدرامي والمسرحي سمير أوجيت، والممثلة هبة أوجيت، والفنان عصام خنوش، وعزالدين بن عمر، وعبد الرؤوف دزيري، وعقبة فرحات).

وقد شاهد الجمهور على امتداد أكثر من ساعة من الزمن، عملاً ذهنياُ عبثياً، غير أنه وعلى عكس الأسلوب المعتاد في مسرح العبث، كان محتوى اللوحات التمثيلية ساخناً وعالي التوتر والقلق، بينما كان العبث هو الإطار العام الذي تتحرك فيه أفعال وخطابات التوتر العالي.

إي إن الفضاء التأطيري هو العبثي بينما اللوحات والمشاهد الضمنية المتفاعلة بداخله هي التي تكفلت بالتصعيد الدرامي العالي التوتر، وهذا عمل دقيق من جانب المعالج الدرامي الذي أعاد تركيب وصبغ المشاهد بهذا الأسلوب والألوان. المتمايزة بين اللوحة الإطارية واللوحات الضمنية.

ثانياً

الإشكالية الذهنية للعرض

بداخل المشاهد، لم نعثر على تلك اللامبالاة واللاأدرية والبرود الخطابي، بل على العكس من ذلك، كان التصعيد الدرامي للتوتر عالياً، والقلق الخطابي هادراً، من طرف جميع الشخصيات، فالكل متوتر. حائر وضائع بين ضفتين مغلقتين لجسر مهترئ معلق بهم في الفراغ. فكيف يتم العبور؟ وما رمزيته، وهل الجسر شيء مادي والعبور هو قطع مسافة على الفضاء أم إن الجسر حالة حضارية وذهنية واجتماعية وسياسية، ونفسية. والعبور فعل ثقافي وواعي وفكري؟ وماذا يعني فشل العبور؟ وما أسبابه ودواعيه؟ هل تكمن في الجسر، أم في عابري الجسر، أم فيمن يحكم ويتصرف في الجسر ويسيره؟

بتكثيف رمزي وشحنات سيميائية مضاعفة، تحكي المسرحية أزمة مسافرين أخمسة، وهم: شيخ ملتح عائد إلى وطنه وقد هجره أولاده الذين لا يبغون عودته، ورجل أعمال فاسد يحمل حقيبة نقود لإكمال مشروع منتظر، وفتى مغترب قادم إلى وطنه، وفتاة ضحية خديعة زوجية من إرهابي لمع لها عالمه الأسود ورماها، فقررت الانتحار وهي تعارك حملها، وشاب لقيط بلا وثائق ولا هوية، يرغب في الحرقة أو الموت الذي وجده أفضل من وضعه المعلق كالجسر الذي يقف فوقه، وسادسهم الشرطي حارس الجسر والعبد المأمور الذي يلعب دور الجلاد والضحية معاً، وجميعهم يكابدون أزمة عبور تركهم معلقين بين ضفتي الجسر حتى نهاية العرض. وأثناء حث الشرطي المسافرين العابرين على سرعة العبور وعدم المكوث في الجسر لكي لا تتعطل حركة المرور أو ينهار الجسر العتيق، وأثناء توسط المسافرين العابرين للجسر، وصلت أخبار إلى الشرطي بأن المتظاهرين على ضفتي الجسر قد أغلقوا طرفيه، فلم يعد من مجال، لا إلى العبور إلى الضفة الأخرى حيث الخلاص، ولا إلى العودة إلى النقطة إلى ما كانوا عليه. لتتأزم وضعية كل منهم، ويبدو أن في سرد معاناتهم الواحد تلو الآخر، وهنا سيتعرف الجمهور على قصصهم المأساوية التي أوصلتهم إلى الجسر.

وفي قمة التوتر والقلق والبحث عن مخرج مستحيل، يبدأ الجسر في التداعي والتآكل والاهتراء، فيأمرهم الشرطي بتخفيف حملهم، وذلك برمي متاعهم وما يملكون، كي لا يتمزق الجسر ويهلك الجميع، فيرمون حقائبهم المحملة بأغلى ما يملكون، لكن في لحظة حسم الخيار بين الحياة والموت، بصبح كل غال رخيص، وكل ثمين مبتذل، في انقلاب عبثي عكس كل القيم، فيرمي صاحب المال حقائب الملايير، ويرمي أصحاب الذكريات ما تشبثوا به من أشياء صارت أشلاء حتى تلك اللحظة، وحتى الشرطي يرمي سلاحه، ويتساوى الجميع عراة من أي لقب أو قيمة أو مسؤولية. فتتهاوى القيم. وبعد لحظة العراء الإنساني التام، يأتي خبر إلى الشرطي عبر جهاز الاتصال، بأنه لا وجود لأي احتجاج، ولا أي غلق لطرفي الجسر، فيتصور المشاهد طرف الخيط الآخر وأن الأمر مجرد إشاعة فقط، وطريقة ما لتعرية الجميع وإخضاعهم. والتحكم فيهم. والتلاعب بمصائرهم، وكشف نواياهم، ودسائسهم، وهنا يغلق الإطار العبثي الذي خلق من اللاشئ، خدعة صنعت كل ذلك التوتر والصراع من أجل البقاء والتفريط في الغالي والنفيس، وكشف النوايا والدسائس وتعرية ذهن كل مسافر عابر، لتعلق بذهنهم أن العبور لم ولن يتحقق مادام وجود الجسر كعدمه. طالما أن جسر العبور لا يوجد في الأذهان.

ثالثاً

الفضاءالسينوغرافي

1- التأثيث: يرتسم العبث بكل وضوح في الوضع اللامبالاتي لتأثيث الركح، الذي اعتمد تأثيثاً ثابتاُ(عكس الجسر المتحرك الذي شاهدناه في الطبعة الإماراتية من هذه المسرحية [إخراج محمد العامري، إنتاج مسرح الشارقة الوطني] التي عرضت في مهرجان المسرح العربي المنظم بتونس 2018.). وفي هذه الطبعة الجزائرية يكتظ الركح بالحقائب المترامية في كل مكان، وبخاصة في العمق الأوسط للخشبة، وعلى الطرفين الخلفي والأمامي حبلان رثان طويلان يقطعان عرض الخشبة كأنما هما حبلا جسر قديم ومهترئ.

2- الأزياء: كما تتجلى اللامبالاة شكليا في أزياء الممثلين، وهي تشكيلات واقعية جداً، في تمثل مراتب وطبقات الشخصيات، متكونة من ألبسة رثة في عمومها ماعدا في لباس رجل الأعمال، والشاب المغترب، والشرطي، الذين كانت ملابسهم توحي بمكانتهم الاجتماعية، المرموقة التي سيفقدونها في النهاية.

3- الإضاءة: تميز العرض بتهميش واضح للإضاءة ترفد دلالاته وخطاباته، وبالأحرى، لم يبدُ في مشاهدته أي دور لهذه الإضاءة حتى وإن تغيرت بين الإنارة الشاملة والجزئية وتواتر الألوان على أركان الركح وفق الحالات النفسية والمشاهد الحوارية المتوترة تارة والهادئة أخرى.

وذلك التغييب أو الإضعاف لفعالية الإضاءة على الركح كان بلا ريب بتأثير من قوة الحركة التمثيلية والأداء الذهني على الركح الذي غطى على وجود حركية فنية في الإضاءة، كما غطى على ظهور الموسيقى التمثيلية أو المشهدية الخارجية، على قلتها، (في بعض المقاطع الحوارية الباطنية او الثنائية او الأحاديث الجانبية)، وظهر على العكس منها الإيقاع الدرامي الداخلي الذي ضبط المخرج نغماته الشديدة وجعل من الفريق التمثيلي الشاب أوتاره، وخطابهم نوطاته الذهنية، وهو خيار فني اعتمد الموسيقى الداخلية والإنارة الشاملة على حساب الموسيقى الخارجية والإضاءة التعبيرية، وهو ما يدل على أن المخرج والمعالج الدرامي وفريق التمثيل وقعوا تحت تأثير المضمون الذهني وإيقاعه الباطني المعقد، فيما أهملوا التشكيل الخارجي الذي اكتفوا ببعده العبثي البسيط، لرسم معالمه الدرامية. وبين المضمون المتوتر والمعقد درامياً، وبين الشكل العبثي البسيط. ارتسمت معالم إيقاع هذا العرض من موسيقى طبعت تناغم عناصره داخلية، وسيميائية طبعت تشكيله الأسلوبي خارجي.

رابعاً

خطاب الجسد

دون أية لوحات كوريغرافية، وبالطبيعة الصدامية بين كل أطراف التمثيل، طغى الخطاب الجسدي من خلال تعابير الوجه عند حالات الإقرار والحوار الباطني والحاديث الجانبية، بينما سادت الحركة السريعة للممثلين على الخشبة في لحظات التوتر، مستعينين بالتلويح بكل الاكسيسوارات المحمولة على الأيدي والأجساد، مما جعل التوظيف الجسدي تخارجياً، أي بين الجسد التمثيلي والأثاث الركحي، أكثر منه تداخلياً بين الشخصية وذاتها، وهو ما جعل العرض يميل إلى الفعل الدرامي الذي يبرز الشخصية الثائرة والمضحية في سبيل رغبتها في الخلاص، أكثر من الفعل التراجيدي الذي يظهر الشخصية المُعانية ضحية عالمها. وهو ما ضاعف من قوة الخطاب الجسدي الذي رغم الغياب، أو بالأحرى، التخلي الكلي عن الكوريغرافيا، وانعدام الخطاب الإحساسي (le charnel)، تماشياً مع أسلوب العرض، إلا أن المخرج استطاع إبراز خطاب الجسد التمثيلي كفعل طاغ ومكتسح لكل العناصر السينوغرافية المرافقة، التي غيبها حضوره، واكتسحها برمزية حركيته وخطابه. ويجدر التنويه بأن الجسد في هذا العرض كان إطاراَ سينوغرافياً عينياً وضافياً على الإطار العبثي الذي تبناه هذا العمل كأسلوب تعبيري عن هم إنساني عابر للأوطان والذوات.

 ملاحظات

– من بوادر قوة العرض وإحكامه، عدم وجود فوارق بين الممثلين، إذ لم نلاحظ أي فرق أدائي أو سيطرة لممثل على البقية، وهذا رغم تفاوت عنصر الخبرة والسن بينهم.

– ومن السقطات الشائعة التي تعرف عن مسرحيينا أنه حين يأخذ الممثل الخطاب ويشرع في تجسيد دوره والإعلان عن ذاته، نرى بقية الممثلين يتفرجون في زميلهم المؤدي، حتى يكمل دوره ثم ينتقل الخطاب لممثل آخر، ويستر زملاؤه ناظرين إليه في وضع المتفرج، وكأنهم جمهور داخل الخشبة، (للإشارة؛ وهذه الحركة ليست مدخلة في التمثيل، أي ليست متعمدة، ومصطنعة، في الحركة المسرحية، وإنما يظهر جليا بأنها عفوية، حتى أن الجمهور يتنبه لها حين تترك فوارقة وسكتات زمنية بين كل خطاب وخطاب بين الممثلين كتلك التي نلاحظها في القراءة الإيطالية أو قراءة الطاولة).

لكن علامة الاستفهام الواضحة في هذا العمل الوازن مسرحياً، هي تلك الفقرة الخطابية التي ابتغى المخرج إيرادها، في نهاية العرض (لحظة الإقفال أو الإيبولوغ)، بجلب خطاب صوت خارجي، يحاول أن يستخلص للجمهور موعظة أو حكمة أو عبرة، كأنه يريد منهم أن يتلقوا العرض في أطار تلك الحكمة والموعظة، التي خلص إليها أو أنه يريد أن يلخص لهم العرض أو يلقنهم كيفية تلقيه بطريقة واحدة، وذلك المقطع الخطابي الوعظي الذي تمنينا لو لم يورده المخرج وترك المشاهدين يفسرون ويقرأون العرض على تعدد ثقافاتهم ومنظوراتهم لكان أفضل ختام، وأكثر انفتاحاً، وأعمق دلالة.

وعموماً كان العرض ناجحاً فنياً ومثقلاً في محتواه بكل الدلالات الرمزية، والسيميائية للفعل والشكل المسرحيين، ويدل على تمكن فريقه الإنتاجي والإخراجي والتمثيلي من آليات عالمية تمزج بين البساطة التأطيرية والتعقيد الإيقاعي للوحات والتوظيف السيميائي لكل عنصر من عناصر العرض الذي ما يزال – من خلال مشاهدتنا للعرض الثاني- قابلاً لمزيد من التطور والإحكام، لقول كلمته فنياً في قادم مواعيد عرضه.

 

بقلم: محمد الأمين بحري                 

 ناقد أكاديمي                     

أستاذ بجامعة محمد خيضر _ بسكرة