عبد القادر فراح (26 مارس 1926 – 20 ديسمبر 2005)
سينوغرافي
رأى “عبد القادر فراح” النور بمنطقة قصر البخاري التابعة لولاية المدية في 26 مارس 1926، وهو سليل أسرة عريقة في العلم والأدب، كان منذ صباه هاويا للرسم، ذوّاقا للفن والآداب.
بدأ مساره الفني في سن الـ 16، حين خيّره والده إبراهيم بين السفر إلى القاهرة لدراسة اللغة العربية، أو الذهاب إلى أوروبا لدراسة الرسم، لكن والده توفي عام 1946، ولم يترك له ولإخوته سوى القليل فلم يتمكن من الانتقال للدراسة في أوروبا.
فسّر فراح سرّ عزمه دراسة الفن في الواقعة التالية: “وقعت حادثة بيني وبين أمين متحف الفن الحديث بالجزائر آلمتني بعمق، كان ذلك الأمين أستاذا فرنسيا متخصصا في التاريخ الإيطالي، وقام بعض الزوار الدانماركيين بشراء بعض اللوحات مني في معرض أقمته على نفقتي وأنا لم أبلغ العشرين، وأطلعوا أمين المتحف على اللوحات التي اشتروها واستطلعوا رأيه فيها، فقال لهم: لماذا تشترون من فنان عربي! يجب ألاّ تشجعوا فنانا عربيا، لأنّ العرب كسالى، ومواهبهم كالصواريخ تضيء لحظة ثم تنطفئ بسرعة…”.
وكان فراح يحب هذا الرجل ويقرأ دراساته بإعجاب، فتأثر كثيرا بما سمعه وقرّر السفر إلى باريس لتعلم الرسم، وبعد سنة من العناء والمشقة، كلّفته إحدى المدارس في بلدة “فونتبولو” بهندسة سقف قاعة الاحتفالات بالمدرسة، وتركت له حرية اختيار الموضوع، فارتضى محاكاة دائرة أبراج الفلك، وهي من مواضيع الرسم في العصور الوسطى، وزيّن اللوحة بزخارف إسلامية الطابع، فأثارت هذه اللوحة فضول الناس، وهيّأ له ذلك فرصة التعرف على الكثير من المثقفين، وبينهم رجال المسارح الذين دعوه للعمل معهم.
أول من اجتذب فراح للعمل في المسرح، مخرج هولندي كلفه بتصميمات الديكور والملابس عام 1952 لأوبرا “شمشوم ودليلة” بمسرح أمستردام، وصارحه المخرج بأنّه اختاره لأنه يبحث عن فنان للتصميم يملك الخبرة بالصحراء وحياة البدو والتقاليد الشرقية، وله أسلوب جديد غير مألوف في أوروبا.
ومنذ تلك التجربة، وجد فراح نفسه أكثر انغماسا في العمل المسرحي وأقل إنتاجا في مجال الرسم، وتهاطلت عليه العروض الواحدة تلو الأخرى، وعُيّن أستاذا ورئيسا لأحد أقسام المركز الوطني الفرنسي للمسرح في الفترة بين 1955 و1961، وكان يتنقّل كثيرا بين فرنسا وانجلترا، ويقوم أحيانا بالتصميم لفرقة شكسبير الملكية، لكن السفر من فرنسا وإليها -كما قال فراح رحمه الله- أصبح أكثر صعوبة مع احتدام الثورة التحريرية.
في تلك الظروف دعاه الفنان الإنجليزي “بيتر هول” للالتحاق بفرقة شكسبير الملكية ومغادرة فرنسا نهائيا، وكان وقتها يصمم الملابس والديكور لمسرحية “بستان الكرز” للروسي “أنطون تشيخوف”، فقبل عبد القادر العرض وانتقل إلى انجلترا.
صمّم “فراح” ديكور وملابس عشرات المسرحيات في العالم من بينها المسرح الوطني الفرنسي بستراسبورغ وفرقة مكسيكية، فضلا عن عمله مع فرق من كندا، فيينا، انجلترا، هولندا، ألمانيا، إيطاليا، الولايات المتحدة الأمريكية، تونس وسويسرا، ونال أكبر الجوائز، علما أنّه رفض قبول جائزة وزارة الثقافة الفرنسية عام 1956 احتجاجا على فضائع الاحتلال الفرنسي بالجزائر.
سنة 1976، نال فراح جائزة “رابطة المسارح للواست آند” لأفضل فنان وذلك عن تصميمه الديكور لمسرحية “هنري الخامس” لوليام شكسبير، وفجّر مفاجأة باستخدامه خيمة سيرك مطروحة على الأرض لتمثيل ميدان القتال الموحل في الحرب الإنجليزية الفرنسية، ورفعه تلك الخيمة فجأة بانتقال المشهد إلى قصر ملك فرنسا، وازدان باطنها، وأصبح هو السقف بزخارف القصر الملكي الباذخة بما يؤكد تناقض مشقة القتال وحياة الترف.
عام 1980، نال فراح جائزة أفضل تصميم مسرحي التي تنظمها المكسيك عن الديكور والملابس، نظير تصميمه مسرحية “ريتشارد الثالث” لشكسبير، كما حصل على جوائز أخرى في سنوات 1977، 1979، و1982.
قام فراح بتدريس الفن في معهد ستراسبورغ الفرنسي، وفي مدرسة مونتريال بكندا، كما شارك في عدة ندوات ولقاءات بالجزائر سنة 1980، ونشّط ندوتين بالمعهد العالي للفنون الدرامية في برج الكيفان.
تعامل فراح بذكاء وإبداع مع أكثر من 30 مخرجا أبرزهم “بيتر بروك”، وصمم أكثر من سبعين لوحة سينوغرافية في عدة دول منها: انجلترا، فرنسا، ايطاليا، ايرلندا، ألمانيا، تونس وأمريكا.
توفي فراح يوم الثلاثاء 20 ديسمبر 2005 عن عمر يناهز 79 سنة.
www.tna.dz المسرح الوطني الجزائري مؤسسة ثقافية عريقة تابعة لوزارة الثقافة-الجزائر، يحمل اسم العميد «محي الدين بشطارزي».