المسرح الورقي بين البداية ومحاولات الانتشار

ماذا لو تعرفنا على نوع من فن الدمي (العرائس -مصطلح مصري) حديث في مصر لكنه قديم جدا في العالم ومازال موجودا في العديد من دول العالم مثل ألمانيا، إنجلترا، اسكتلاندا، فرنسا، هولندا…

ورغم اختلافه قليلا عن مسرح الكيمشاي الياباني، غير أنه يشترك معه في سهولة تنقله وقبوله للعديد من الفنون داخل نسيجه الأصلي وسنتعرض لهذا فيما بعد، ولكن نجد انتشاره كان في العديد من الدول ومازال، وله مهرجانات خاصه به وفنانين منتشرين حول العالم. ولكل بلد خاصيته في ظهوره رغم الفترة القريبة ونفس الحقبة التاريخية ونجد أنه كأي نوع من الفن له قوة واختفاء.

ولا تتعجب ان قلت لك يا صديقي وصديقتي، أن ظهوره القوي بعد الحرب العالمية الثانية ولعزوف الجمهور عن الذهاب إلى المسرح وكخط دفاع للفنانين قاموا باستدعائه والعمل عليه والذهاب للجمهور يحملون مسارحهم بنفس الشكل المعتاد للعلبة الإيطالية حتى يقومون بجذب الجمهور.

وكما قلنا إنه يعود للقرن التاسع عشر نعم كما قرأت ولكي لا أطيل عليك فلنبحر سويا إلي الوراء لنصل إلي أوائل القرن التاسع عشر)، في انجلترا كان المسرح الحي شائعًا جدًا لدرجة أنه كان مصدر إلهام لأعمال الشغب بشكل منتظم. في عام 1809 عندما حاول مسرح “كوفنت جاردن” رفع أسعار التذاكر، غضب الجمهور لدرجة أنهم ثاروا. كانوا يصرخون ويهزون الخشخيشات (الشخشيخه)ويقرعون الأجراس، بل وأحضروا الخنازير إلى المسرح لإغراق الممثلين.

كان الاحتجاج ناجحًا، وتخلت الإدارة عن رفع الأسعار وكان في هذه الفترة يتعامل الجمهور بوحشيه وبفاعليه تقترب إلى ما يسمي الآن المسرح التفاعلي. ازداد عدد الأطفال الحاضرين مع الآباء أو بشكل مفرد، مما جعل القائمين على الأمر في التفكير حول أن يصطحب الجمهور من الآباء، المسرح معهم، فجاءت فكرة المسرح الورقي عن طريق رسم مركب من الورق وشخصيات مثل القراصنة وإظهار المعارك التي كانت من الممكن أن تجري في البحر أو خطف أميره وفرسان… وقاموا بتقطيعها ورسم خلفيه سماء وبحر ووضع كل هذا في إطار العلبة الإيطالية وتم الحرص على إظهار فخامه الفريم الخارجي بأشغال فنيه مرسومه ومذهبة حيث كانت تمتاز العلبة الايطالية في هذا الوقت بالفخامة، وكان يصطحب الطفل معه وقاموا بتقديم عروض صغيرة أمام الجمهور لكي تجذب الأطفال للشراء مع شرح بسيط لمن يشتري كيف يقوم بالتحريك وكيف يبدع موقف بهذه الشخصيات لكي تستخدم بأكثر من موقف لا يتعدى الدقيقتين أو أكثر. وكما كتب الكاتب “جي كي تشيسترتون” (تميَّزَ تشتسرتون بأعمالِه الروائيَّةِ الرائِعة، وأَشْهرُها سلسلةٌ مِنَ القصصِ البوليسيةِ القصيرةِ بطَلُها واحدةٌ من الشخصياتِ الخالدةِ في أدبِ القرنِ العشرين وهو كاتب إنجليزي) من خلال تقليص حجم الأحداث، يمكن أن تقدم أحداثًا أكبر بكثير … لأنها صغيرة يمكن أن تمثل بسهولة. بالضبط بقدر ما هو محدود، حتى الآن يمكن أن يلعب بسهولة مع المدن الساقطة أو مع النجوم المتساقطة.

لم يكن سحر المسرح الورقي في شكله البدائي، ليس فقط في أنه يسمح للأطفال بتكرار مسرحية محبوبة في منزلهم فقط، بل كان يمدهم أيضا بمواد خام مثل: ورق خام، رسومات ملونة، متابعة مع المشتري في إصلاح التخريب المحتمل وتقديم إرشادات… وكان هذا الشيء يخلق عالم ساحر جعل الإقبال عليه شديد وكانت الفرق تفتح محلات مخصوصة، كما أشار (روبرت لويس بلفور ستيفنسون ‏ روائي وشاعر وكاتب مقالات وكاتب اسكتلندي) تشسترتون، متذكرًا المتجر الذي اشترى فيه مسارح الألعاب في شبابه، دراما الأحداث في Skelt : “كل ورقة ألصقتنا بها كانت نظرة خاطفة أخرى إلى قصة غامضة ولذيذة؛ كان الأمر أشبه بالغرق في المواد الخام من كتب القصص. لا أعرف شيئًا لأقارنه به إلا بين الحين والآخر في الأحلام، عندما يحظى بامتياز قراءة بعض قصص المغامرة غير المكتوبة، والتي أستيقظ منها لأجد العالم كل الغرور”.  وتابع بالقول: “ما أنا؟ ما هي الحياة، الفن، الرسائل، العالم، ولكن ما الذي صنعه سقتي؟ لقد ختم نفسه على عدم نضجي. كان العالم سهلاً قبل أن أعرفه، عالم فقير بنس واحد؛ ولكن سرعان ما أصبح كل شيء ملونًا بالرومانسية”.

وتوجد شواهد أعمال تم حفظها من أجيال مختلفة إلي أن وصلت متاحف حول العالم مثل متحف الطفولة في ادنبره (سكوتلندا) والتي يحتفظ بأصل من مسرح الألعاب (حوالي 1845-1850) لجون ريدينجتون من لندن، يظهر مشهدًا من مسرحية إسحاق بوكوك ورجاله المكونة من فصلين، ونجد أنه تم استخدام المسارح الورقية للترويج للإنتاج، تمت طباعتها على أوراق من الورق المقوى وبيعت كمسرحيات كاملة في معظم  دار أوبرا أو مسرح أو مسرح فودفيل .

ولك أن تعلم صديقي أن هناك الكثير من الأسماء المؤثرة في تاريخ الفن قاموا بالتعامل مع هذا النوع من الفن ونذكر على سبيل المثال:

  • هانز كريستيان أندرسن، كاتب دنماركي
  • جين أوستن، الروائي البريطاني
  • إدموند بيكون، مخطط مدينة أمريكي
  • بيتر بالدوين، ممثل ومالك متجر ألعاب بنيامين بولوك
  • إنغمار بيرغمان، مخرج أفلام ومسرح وأوبرا سويدي.

والآن أقدم لك صديقي تعريف بتجربتي في مصر ورغم مرور القرون العديدة على وجوده في العالم.

  • عام 1995 وكنت أجري بروفات بفريق الشروق المسرحي للمكفوفين داخل المركز ولعلمهم بأن لدي فريق للدمي فقد قدموا الدعوة لألتقي بالفنان من خلال لقاء استعرض فيه من خلال (شريط فيديو) عمله وجزء من مسرحية، وتم لقاء خاص به وتناقشت معه حول الأمر وبحثت كثيرا في المكتبات في مصر لكن لم أجد لهذا الفن أي أثر ولا يوجد كتب له ولكن بقي الأمر في ذهني، لا يريد أن يترك مكانه في عقلي.
  • 2012، وكنت أبحث عن كيفية الوصول إلي الناس بعد أن توقف فريق الطيف والخيال لفن العرائس وخيال الظل عن العمل لوفاة ضلع مهم من أضلاعه وهو الشهيد مؤمن عبده، واتجاهي إلي عمل الورش لتوليد أجيال جديده تعشق فن العرائس ولتكون امتدادا، وجاءت أمامي صورة المسرح الورقي  لتتملك عقلي كاملا وتدفعني للبحث عنه، الآن أصبح الأمر يسهل البحث عنه من خلال الانترنيت وبالفعل قمت بالبحث عن كل ما له علاقه بهذا الفن وجمعت أكثر من 300 فيديو وآلاف الصور، وبدأت في الدراسة والتحليل للفيديوهات واستمر هذا أكثر من عامين  قمت بتحويل  الفيديوهات إلي صور وتعاملت مع الفيديو فريم، وقمت باسترجاع الفريم، وكنت أتعامل مع الأمر باستخدام الخيال والاستعانة بترجمة من أصدقاء في اللغة ماعدا اللغة الألمانية  والتي للأسف لا يوجد في دائرة الأصدقاء من يعرفها.

        وجلست أتعلم وأتعرف على كيفية تكنيك الحركة بجانب إعمال خيالي في الإحساس بما هو وراء كل صورة أو فيديو وبدأت في التجريب، وعمل تجارب لم تخرج واستعنت بخبراتي وللأسف وإلى الآن لم تصل إليّ كتب عن الموضوع، ولكن هناك كتابات بسيطة هذا ما وصلت إليه ووجدت أن العالم العربي لا يعلم عنه شيئا ولا توجد تجارب إلى أن جاءت فرصه ذهبية

  • مع نهاية 2014 حتى مارس 2015…وهي القيام بعمل شبه معسكر مع مجموعة من الأطفال في إحدى مؤسسات الرعاية والذين وجدت فيهم الموهبة والخيال الخصب وكان تعرفهم على الفن طاقه نور أعطتني الكثير وألهمتني كثيرا لكي أبدأ تجارب عملية على مناطق كنت أقوم بشرحها لهم ويقوم خيالهم بإرشادات بسيطة ومرفق صور لهذا، وجاء آخر 2015  وقررت إطلاق أول تجربة في هذا النوع، ولكن عزيزي يجب أن نعود إلي الأصل.

نشأته:

يقال أن جوته الكاتب الألماني المعروف قد قدم هذا الفن ما بين (1749-1832) لابنه أغسطس حيث رسم جوته قطته المنزلية داخل شكل العلبة ورسم الديكور المنزلي وجعل اغسطس يلبس طوق من الورود ويتفاعل مع القطه داخل الاطار.  بعدها تم وضع اللعبة في محلات لبيعها وتهافت الناس لشرائها.

وهذا النوع من الفن يميل إلى السهل الممتنع، حيث أن مسرحه متحرك ولا يتوقف فهو يذهب إلى الجمهور، ولا بد أن يذهب بكامل هيئته وشكله المعروف الذي يسمح له بالتنقل بسهوله وهذه هي ببساطه عبقرية هذا الفن حيث أنه يمكن تقديمه في أماكن غير تقليدية مثل: خطوط القتال، المستشفيات، داخل الفصول، الحدائق، الساحات الشعبية، بهو، المسرح أيضا، داخل المنازل… ولك أن تعلم عزيزي القارئ أنه من خلال المسرح الورقي تم تقديم العديد من النصوص العالمية الهامة مجموعة تحاكي مسرح الاوبرا، مثل  “الناي السحري بالإضافة إلى أعمال شكسبير وهاملت وأوثلو الشعبية.. وانتشار المسرح الورقي في معظم بلدان العالم.

المسرح الورقي في مصر

بالطبع لا يوجد من سبقنا في تجربتنا في هذا النوع من الفن في مصر.

  • عام 2016: قمت بأول ورشة للمسرح الورقي من خلال مكتبة الإسكندرية وكان عرض السحر والخيال، نص مكتوب يعالج بشكل تربوي فكرة العزوف عن القراءة لدى الأطفال، وركزت في هذا العرض على فكرة تفكيك الديكور وإعادة تركيبه وكذلك الإبهار في الصورة.
  • عام2017: بالتعاون مع مؤسسة “كن” ومقرها مكتبة الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وكان لمجموعة من الأطفال وأدخلت فن الصلصال بيد فنانة متخصصة وعرض كتبه الأطفال وعدّله درامتورج.
  • 2018: كانت مع فنانة من العراق، بعد أن نشرت على الشبكة الأعمال الخاصة بهذا، طلبت الحضور إلى مصر لنيل ورشة حول هذا النوع وبالفعل قمت بورشة عمل معها وكان الناتج عرض ارتجالي “الحاكم العادل” وأدخلت فن خيال الظل معه، وتم عمل علبة مسرح اصطحبته معها إلى العراق.
  • 2019 : وتأتي الورشة الرابعة مع طلاب كلية التربية النوعية بجامعة طنطا، وقمت بالعمل مع طلاب الدراسات العليا وعملنا على رائعة شكسبير (حلم ليلة صيف)، وجاء في اختبار آخر العام بمعرفه الدكتور سيد علي مسؤول المادة عن مدى الاستفادة والأهمية لهذا الفن في حياتهم العملية، حيث أن هذه الكلية تقوم بتخريج دفعات تقوم بتدريس الطلبة الفن والمسرح بشكل خاص .
  • 2019: الورشة الخامسة، لكوني فنان مستقل قمت بالتعاون مع الثقافة الجماهيرية وهو جهاز حكومي معني بالثقافة والفن من خلال (عرض سوق باكوس) من التراث الإذاعي الاسكندري مدينتي وقمت بإدخال رقصات شعبية من الأطفال للتراث الاسكندري.
  • 2020: أخيرا الورشة السادسة، التي جاءت في زمن الكورونا وكانت ورشة باسم (أيام رمضان) بمجموعة من الأصدقاء وتم رفعها على الإنترنت في شهر رمضان الماضي. واعتمدت على تراث إذاعي للحالة الخاصة في مصر والتي تصاحب هذا الشهر من طقوس ومظاهر كرنفالية مهمة وكذلك إدخال الأراجوز ليقوم بالتعليق داخل العلبة نفسها بصوته وشكله المعروف. والغريب أنه رغم القدم التاريخي لهذا الفن ما زلت أحاول في مصر أن أقوم بنشره، وكوني مستقل بالطبع أجد صعوبة لكن عندي أمل أن أقوم بعمل أول ملتقى للمسرح الورقي في مصر، عندي أمل أن يكون هناك متحف لهذا النوع من الفن وما زلت متمسك بالأمل.

بقلم المخرج المستقل/عاطف أبو شهبه _من مصر

مؤسس المسرح الورقي في مصر

شاهد أيضاً

رمادة 19.. تجسيد للحياة بعد عامين من العزلة

علقت زينب ضيف بنص فايسبوكي نشرته على صفحتها تحت عنوان “الحياة بعد زمن الرمادة”، وذلك …