الفن طريقنا للحياة

قدم لنا المعهد العالي لمهن فنون العرض والسمعي البصري (ISMAS) بمساهمة المسرح الوطني الجزائري عرضا مسرحيا يندرج ضمن قائمة  تخرج طلبة السنة الثانية ماستر تخصص “إخراج مسرحي”، تحت عنوان “آرت / ART”.

عُرضت المسرحية على خشبة المسرح الوطني يوم السبت 2 أكتوبر 2021 على الساعة الثالثة والنصف مساءً، وتدور أحداث المسرحية حول ثلاثة اصدقاء في منتصف العمر ، تجمعهم صداقة لأكثر من خمسة عشر سنة

محمد:طبيب أمراض جلدية مولوع بالفن الحديث ، ذو نظرة سوداء عن الزواج و العلاقات و الإلتزام بشخص آخر ..

كمال:مهندس طيران ذو شخصية قوية، انسان تقليدي ، ذو اذواق اصيلة و قديمة حيث معظم قراراته و طريقة تعامله لا تدخل حيز المبالاة بمشاعر الآخرين من حوله…

ياسين:عامل بالمطبعة، يتحلى بشخصية ضعيفة نوعا ما ،انسان مثقف و هادئ ،  يراعي ويبدي إهتماما كبيرا بمشاعر غيره ، مقدم على الزواج و باحث عن الاستقراري النفسي لحالته المتوترة …

تبدأ المسرحية بتفاجئ كمال من صديقه محمد الذي إشترى لوحة فنية بيضاء خالية من اي لون و اي رسم بقيمة باهضة و هي 2 مليون دينار (200 مليون سنتيم) و إنزعاج هذا الأخير (محمد) من رأي صديقه كمال حول تحفته النادرة و عدم إعطائها الأهمية و المكانة الفنية و الأكثر من ذلك إطلاق مصطلح ” الزبل ” عليها رغم سعرها المرتفع ، حيث يتحدث كمال مع ياسين حول الموضوع نفسه و إظهار مدى توتره من فعل صديقهما محمد…

يذهب ياسين لرؤية محمد و لتأكيد  معلومة كمال حول مصدر قلقه و هي اللوحة الفنية ،  ليتفاجئ بصحة الخبر من قبل محمد نفسه و قوة تمسك هذا الاخير باللوحة و بعمقها الفني الذي لا يستطيع تقديره صديقه كمال لإنعدام ذوقه بالفن الحديث من جهة رأي محمد …

يتواصل النزاع بين الأصدقاء الثلاثة حول قيمة اللوحة و اهميتها لينتقل النزاع الفني الى نزاع حول العلاقات الشخصية و العائلية بينهم لينتهي الصراع بطريقة ملائمة لصداقة دامت خمسة عشر سنة …

قُدمت المسرحية في عدة مشاهد ضمن فصل واحد بسينوغرافيا بسيطة ذات طابع وظيفي و ديكور واحد طول العرض و المتمثل في اريكة بيضاء طويلة في  عمق وسط الخشبة  بجانبيها طاولتان صغيرتين بنفس اللون الأبيض و نجد   أريكتين أو كرسين متقابلين من نفس النوع و نفس اللون على جانبي خشبة المسرح  (يمين خشبة المسرح و يسار خشبة المسرح ) ، و نرى ستائر بيضاء منكمشة متدلية خلف الاريكة (في عمق الخشبة )

يوحي لنا الديكور بأننا في شقة او منزل أحد الأصدقاء ، لكن من خلال إختلاف اماكن دخول و خروج  الشخصيات الثلاثة ندرك انه نفس الديكور لكن لثلاثة شقق مختلفة . دلالة اللون الابيض و  الستائر المنكمشة راجع الى قوة صداقة شخصيات المسرحية ببعضها البعض و ايضا  لتوتر العلاقة بينهم و اختلاف مدى تفكيرهم حول معظم امور الحياة ..

أُستعملت عدة أكسيسوارات في العرض أولها و اهمها اللوحة الفنية ذات اللون الأبيض الخاصة بمحمد و صحنين صغيرين بهما زيتون في مشهد و مكسرات في مشهد آخر ..و كذا استعمال قارورة ماء صغيرة مع قلم حبر في المشاهد الأخيرة من العرض المسرحي ..

اما بالنسبة للإضاءة فاستُعملت إضاءة عامة في معظم المشاهد مع تسليط بقع ضوء على الشخصيات المنفردة في حالة المونولج الخاص بكل شخصية ، و تواجد إضاءة ذات ألوان رمزية معبرة عن حالة و حياة كل شخصية من العرض المسرحي ( اللون الأحمر الذي يمثل شخصية  كمال القوية و المتمسكة برأيها بعيدا عن الحداثة.

و نجد اللون الأخضر الدال عن شخصية ياسين الضعيفة المسالمة ذات الميول العاطفي أكثر ، و أيضا اللون الأزرق المرتبط بشخصية محمد المحايدة و الهادئة رغم كل الظروف التي مرت على حياته ). أما الجانب الموسيقى فلم تُستعمل أي مؤثرات سمعية و لا حتى موسيقى تصويرية بالعرض المسرحي ..

تحاكي المسرحية ظاهريا موضوع الفن و الحداثة مع إختلاف وجهات نظر طبقات المجتمع حول ذلك ، ليغوص بنا العرض إلى نقطة مغايرة تمثلت في عمق العلاقات الإنسانية و القيم المرتبطة بالصداقة  بين أبطال المسرحية.

 وفقت الطالبة في الإشتغال على نص الكاتبة العالمية “ياسمينا رضا” بإتخاذ المدرسة الواقعية السيكولوجية او المدرسة السيكولوجية الطبيعية منهجا لتفكيك ظاهرة العلاقات الإنسانية بكل تناقضتها و تسليط  الضوء على السلوكات المعقدة في تواصل البشر فيما بينهما و إدراك المفاهيم الإنسانية المتمحورة في تفاصيل الحوار الدقيقة التي تجسدت في النص و العرض المسرحي ، كما ركزت على إبراز و توضيح الصراعات الداخلية لكل شخصية من شخصيات المسرحية و ظروفها الخارجية المؤثرة و المتحكمة في قرارات كل منها ، كما أبدع الممثلون في التعبير عن مغزى العرض و ايصال فكرته بوضوح شامل…

إستمتع الحضور بالعرض الذي مدته ستون دقيقة (60 دقيقة ) على رغم بعض النقائص و نذكر منها :

_ عدم ظهور التباين بين شخصيات المسرحية رغم اختلافاتها و توجهاتها الاجتماعية و الفكرية.

_ الإيقاع المنخفض أو المتذبذب في المشاهد الأولى من العرض المسرحي و توظيف بعض لحظات الصمت غير المبررة و التي غيرت توازنات الايقاع مما جعل الأداء  يُغير مسار “التيمبوريتم”  و جعله بحاجة إلى التنفس بدرجات مختلفة بحيث تماشى العرض المسرحي بنفس الوتيرة تقريبا .

للتذكير:

مسرحية “آرت / ART”:

 للكاتبة الفرنسية ذات الأصول الإيرانية : ياسمينا رضا

 إعادة الكتابة والترجمة من طرف: ياسين زايدي

إخراج الطالبة : نبيلة إبراهيم

 أداء كل من :

كمال بوعكاز

محمد الصغير بن داود

ياسين زايدي

سينوغرافيا العرض من تصميم : عبد الرحمان زعبوبي

تصميم الإضاءة : عبد الغاني معزوز

العرض تحت تقييم : الدكتور حبيب بوخليفة مشرفا

الدكتور محمد بوكراس رئيس اللجنة

الأستاذ إبراهيم نوال مناقشا

المساهمة بقلم: سيد علي العربي عيسى

                                                                                                                     

شاهد أيضاً

المسرح الورقي بين البداية ومحاولات الانتشار

ماذا لو تعرفنا على نوع من فن الدمي (العرائس -مصطلح مصري) حديث في مصر لكنه …