ندوة المنجز في المسرح الجزائري بعد 58 سنة – المأمول في المشهد المسرحي الجزائري..تأمُّلات، قِراءة وحُلول

ارتبطت أوراق مداخلات ندوة “المنجز في المسرح الجزائري بعد 58 سنة.. أسئلة، تأملات ورهان…” المنعقدة بالمكتبة الوطنية الجزائري “الحامة” يوم الأحد 27 سبتمبر 2020 في تقاطعاتها حول حتمية تطوّر المشهد المسرحي وتكامله فكرياً وجمالياً مع المجتمع، على اعتبار أنّ هذا الأسلوب من التعبير الإنساني يفرض مقدّمات جوهرية تؤثّر في المدينة كمجتمع وفي الفرد (مبدعا ومستهلكا) كقيمة صانعة للفعل الثقافي، كما خلصت الندوة في توصياتها إلى أنّ رسالة المسرح العليا هي نشر الوعي والعلم بين أفراد المجتمع، وحتى يتحقق ذلك يجب على المسرح  أن يتحرّك في طريق البحث عن سبل التواصل مع المتلقي والتقرّب من عالمه واستيعاب حجم الطاقات الفكرية والخيالية المتجدّدة فيه، لا سيما وأنّ الجزائر تعيش اليوم مرحلة مفصلية تستوجب نفهم الأمور كما هي مما يستدعي ذلك الاستثمار في جميع الطاقات والمقدّرات البشرية والوسائلية باعتبارها السبيل الأوحد نحو رسم طريق الفعل الثقافي في الجزائر والذي يصب مباشرة في قلب المجتمع النابض، إذ لا يمكن الحديث عن مسرح في غياب جمهور واع يُسائلَه ويستنطق أفكاره ويُسقطها على واقعه فعلا وقناعةً…

رِهانات المسرح ومستقبله في الجزائر:
“مقاييسٌ لانطلاق المسرح على فعل موثوق”…
وعلى اعتبار أن المسرح أَصَّلَ دوره بكونه قوّة بارزة في العالم كما أشار في هذا الشأن الكاتب “لودفك لويسون” (1955-1882) معلّلا ذلك “على أنّ الدراما ظلّت عبر العصور المختلفة لصيقة بأفكار الناس العميقة أكثر من أي شيء آخر فيما يتصل بطبيعة البشر وقدرهم وذلك من خلال تصويرها للروح البشرية بأفعالها ومعاناتها، فبخلاف بقية الفنون قاطبة فإن المسرح يركز بقوة على الأنسان (وجوده وعلاقته بالحياة) من خلال دراسة الطبيعة البشرية وعلاقتها بالمحيط الذي توجد فيه”، فمن هنا ندرك أنّ العناصر الأساسية للمسرح والدراما توجد في كل مجتمع لذلك جاءت فكرة الندوة في ضمن هذا السياق الابستمولوجي وجاء برمجتها ضمن الدخول الرسمي للموسم الثقافي 2020-2021 المنظم من قبل وزارة الثقافة والفنون تحت إشراف معالي الوزيرة الدكتورة “مليكة بن دودة” والذي اختير توسيمه بالأديب الجزائري “محمد ديب” بمناسبة مئوية ميلاده (1920-2020)، والندوة مُجزأة إلى ثلاث مقاييس في شكل ورشات بحثية تمَّ في ختامها ضبط مخرجات عن أسئلة الرهان والآفاق المتعلّقة بالمسرح الجزائري من حيث الدور الوظيفي له في ظلّ التحوّلات المحلية والعالمية، وعن كيفية بناء مسرحا يستجيب للتطلّعات الجديدة والمتجدّدة، وعن الأسس والدعائم الواجب الاستناد إليها لتحقيق نهضة مسرحية في الجزائر، ولرسم نهاية الندوة وثيقة توصيات انطلاقا من تدخلات المشاركين من أكاديميين وممارسين وإعلاميين في محاولة لإعادة قراءة الذات والواقع المسرحي، كل ذلك لمرجو واحد وهو بعث مشروع إصلاح للفعل المسرحي مُتساوقا مع الإصلاحات المبنية على أسس علمية قويّمة في ظلّ قراءة المنجز المسرحي، حيث عُنون المقياس الأوّل بـ “المسرح الجزائري: الدور الوظيفي والتحوّلات البنيوية” تحت إدارة الجلسة من قبل أ. د. ليلى بن عائشة، ومقياس ثاني موسوم بـ “المسرح والرهانات ومستقبل الجزائر” بتسيير من أ. د. حميد علاوي، ومع أ. د. جميلة زقاي تمّ إدارة المقياس الثالث حول “المسرح ودوره في الفعل الثقافي الوطني”…

التحوّلات البُنيوية في المسرح الجزائري:
“تأملات، تشخيص وتوصيف”
وانطلاقا من مبدأ أن المسرح بتكيّفه مع متطلبات الانسان المعاصر أضحى يمتلك مصفوفة أهداف كتكوين الشخصية الذوّاقة المتزنة المتشبعة بالهوية وعلى أنّه يجمع بين المُتعة الفنية والمنفعة المعرفية إلى ضمان الخدمة العمومية للفعل الثقافي، ذكرت الندوة أنّ المنجز المسرحي في الجزائر شهد بعد ثمانية وخمسين (58) سنة مجموعة من التحوّلات تباعاً ارتبطت كلها بالتحوّلات الاجتماعية والثقافية والفكرية، فتجلت مشهديته على بناء حالة الإبداع المسرحي صوريا وجماليا وفق آليات جديدة ليست وِفق اللغة وكفى بل في تمظهرات الأداء الفني المسرحي على كافة المستويات، كما برزت هذه التحوّلات في لغات المسرح وتنوّعها لإثراء تركيبة المتلقي الراهن المتنوعة ولبناء مُتلق إيجابي ناقد وذوّاق، وتحولات أخرى عن الأثر الإبداعي وإيقاع العرض المسرحي للبحث عن آليات جديدة مرتبطة بالتطور الرقمي وما يفرضه واقع الإبداع في ظلّ معطيات الانفتاح اللامحدود، وتحوّلات لاحقة من حيث التركيبة الفنية للفعل المسرحي الجديد ودخول تجارب جديدة على غرار مسرح ما بعد الدراما والتركيز على فنون الفرجة، إضافة إلى تحولات من حيث الفكر المسرحي والممارسة المسرحية؛ بل إن هذه التحوّلات في مجملها من تجعل للمسرح تميُّزاً عن غيره من الفنون بارتباطه بالإبداع وفي خلق عالم يتكيف ويؤثر في اللحظة التي ينتمي إليها ويمكن فيها الفرد على تحقيق ذاته من خلال الإبداع، كما إنّه في ذلك يعمل على خلق عالم تام وحي يركّز على أنفسنا بصفتنا بشرا…

ولأنّ المسرح نُسقا إبداعيا متفتحا على جميع أسليب التعبير اللّسانية والفنية لذلك نجد جوهره يقرّر طبيعته فضلا عن منجزاته، في حين فإنّ عُنصر الابداع فيه يرتبطُ بالتعبير عن المعنى والمشاعر والروح بحيث تتاح للجمهور الذي يرتاد المسرح الفرصة للخوض في التجربة التي يريد الفنان المسرحي إقحامهم فيها فضلا عن دوره في تطوير الكفاءات لديه من حس جمالي وفني وفي تثبيت القيم الإنسانية في كلياتها والعلاقاتية في جزئياتها، من هنا ومما خلصت الندوة في نهايتها كانت الدعوة إلى ضرورة إدراج المسرح في المنظومة التربوية كطريقة بيداغوجية ونشاط وذلك بالاستعانة بمختصين في المسرح في بناء المناهج التربوية مع تجهيز المؤسسات التربوية بمسارح صغيرة على غرار تجهيز المخابر، وكذا بعث برمجة خاصة ضمن ورشات التكوين الفني على مختلف بنيات المنجز المسرحي والأداء، وعلى تشجيع الطلبة الموهوبين على الانخراط في الفرق المسرحية وحثهم على التأليف المسرحي من خلال الاقامات الإبداعية والمسابقات، وعلى التنسيق بين مختلف مخابر ووحدات البحث الأكاديمية في المسرح وما يتصل به وتفعيلها…

المكانة والتمكين من الاستثمار في المسرح:
“نحو منظمة تكاملية .. الفن أولا ثمّ الاستثمار فيه تاليا”…
وعلى اعتبار أنّ الثقافة أوّلا تقف بين مفهومي التنمية والتنمية المستدامة وتعد نمطاً شاملاً من أنماط الحياة في المجتمع وأسلوباً خاصاً من أساليب العيش حيث تلبي تطلعات الفرد وتأمّن له حق المعرفة والوصول إليها من خلال تحقيق الاندماج الحضاري، فقد دعت التوصيات إلى وجوب توفير المناخ المناسب للاستثمار الثقافي الذي له مردودا ربحي من أجل خدمة الإنسان وتسويق عطائه وإبداعه الفكري، وعلى ضرورة مساهمة أجهزة الاستثمار المركزية والإقليمية على توجيه وتشجيع المستثمرين لاقتحام هذا المجال مع  تحفيز المؤسسات النقدية كالبنوك على مرافقة المشاريع المقترحة من قبل المؤسسات المسرحية وتمكينهم على الاستفادة من التحفيزات الجبائي المسطرة في نظام تشجيع ومرافقة الاستثمار في مختل المجالات صناعية كانت أو خدماتية، مُشيرةً في هذا الشق إلى استعجالية تحيين القوانين التي تحكم المسارح استجابة للتطلّعات الجديدة ولتحديثها بما يتوافق مع التحولات الراهنة خاصة في ظلّ عصر الرّقمنَة والعولمة الثقافية…

وقد أشارت التوصيات انطلاقا من مخرجاتها إلى ضرورة وضع استراتيجية للاستثمار والترويج والتسويق للعمل المسرحي موضحة أن ذلك لن يتأتى إلاّ بالخروج من سياسة الريع المادي والدخول في إطار سياسة الدولة وتوجّهها نحو الاستثمار في القطاع الثقافي حسب ما أشير إليه من قبل الوزير الأوّل لأجل العمل على جعل الثقافة قُطبا للاستثمار وللإسهام في الاقتصاد الوطني، داعية في السياق إلى التأسيس لإطار تنظيمي يؤطّر الممارس المسرحي وذلك بالتركيز على قانون الفنان والمهن المرتبطة بفنون الأداء الحي الذي من شأنه أن يحمي الفنان ويحدّد واجباته مما سيعطي دفعا له في الإسهام في التحولات التي يعرفها المسرح، مع الانفتاح على الهيئات والمؤسسات المختلفة من قبل وزارة الثقافة والفنون لاسيما منها الوزارات الأخرى حسب خصوصية كل وزارة، وعلى عقد وبعث شراكات واتفاقيات لتمكين المؤسسات المسرحية في الاشتغال وخلق فضاءات أوسع للعمل والانتشار مع استفادة المسرح الجامعي من ذلك، داعية في إلى الاستثمار في المساحات الثقافية والمتاحف والمكتبات من خلال دمج العمل الثقافي والفني في البنية التحتية للقطاع ورفع وعي المواطنين بجمال التجربة المسرحية، كما نوّهت إلى ضرورة الانفتاح على الآخر وعلى التجارب العالمية المتنوعة (الصينية، الروسية، الكندية، الألمانية الفرنسية والإفريقية…) وعدم الانكفاء على الذات للارتقاء بالمسرح الجزائري في ظلّ التطور الذي يعرفه المسرح العالمي…

المأمول في المنجز المسرحي بالجزائر:
“قراءة وحلول في الرهانات”
المسرح يسعى دائما إلى كسر حاجز التباعد بين البشر نظر لاختلافاتهم الفكرية والمفهمية بحيث يمهد لتجربة عالم الشخص الآخر وفي الوقت ذاته اختبار أنفسنا في إطار العالم الذي نعيش فيه بالاشتغال على الناحيتين العاطفية والفكرية، وبذلك يربط المسرح إنسانيتنا بأكملها بالتركيز على حرية الإبداع فيه، فعلى هذا الأساس أشارت ورقة التوصيات إلى ضرورة إتباع التحوّل المسرحي بدراسات اجتماعية جادّة ضمن سياق الحال لتحولات المجتمع الجزائري، وذلك ببعث مخابر بحثية لدراسة الجمهور في ظل التطورات الحاصلة وتثمين فكرة المختبر المسرحي الخاص بالمسرح الوطني بإعطاء بعد أكاديمي للعمل المسرحي، وعلى خلق شراكة مع مخابر الجامعات ووحدات البحث لإطلاق مشاريع بحثية تربط بين الأكاديميين والممارسين في توأمة لإعطاء دفعا للمسرح في ظلّ التحوّلات الراهنة والتي تفرض تغييرا إيجابيا، كما نبّهت إلى أهمية إنشاء مجلس وطني استشاري بفروعه حسب المهن والحرف الثقافية والفنية حيث يتكلف باقتراح البرامج والتظاهرات الوطنية والدولية والتشريعات والتنظيم والتمويل والإنتاج والتوزيع بل يتعدى في مهامه إلى متابعة تنفيذ البرامج وتطبيق القوانين…

وفيما يخص الإشكاليات المتعلقة بالتعاونيات الثقافية والجمعيات رأت الندوة أنّه ينبغي ضبطها بإطلاق صراح القانون الذي يحكمها حتى تتمكن من الإسهام في الارتقاء بالمسرح في أداء دورها مع مرافقة ذلك ببرمجة رزنامة عملية للرّسكلة والتكوين لمنتسبيها، لا سيما في ذلك إعادة بعث مسرح الشارع من خلال إنشاء شركات خاصة تعمل بالتنسيق مع مختلف الهيئات والجهات المختصة على تسهيل إجراءات توفير أماكن العرض المتناسبة مع طبيعة النشاط الفني وتحرص على توفير العوامل الأمنية والتنظيمية لنجاح العرض المسرحي في كلياته. كما دعت إلى  إنشاء مسارح خاصة على مستوى مختلف الولايات ويكون ذلك عبر التنظيم والتنسيق بين مختلف الهيئات التنظيمية والمالية التي تعمل على تقديم التسهيلات الممكنة لاقتناء وتطوير وخدمة الأماكن المهجورة أو القاحلة للاسترداد والاستخدامات الممكنة من قبل الشركات الخاصة قصد إعادة توجيه المساحات الفنيّة للإبداع والنشر، حيث يتم ذلك في شكل اتفاقية بمواصفات تحدّدها الجهات المختصة مع تشجيع مبادرات الاستثمار الحر والمستقل للشركات الصغيرة التي تنشط في إطار مهن فنون العرض من خلال إنشاء مشاريع صغيرة تدعمها المنظمات والهيئات المختصة والهياكل القانونية والتنظيمية المستقلة.

ملاحظة: تم نشر هذا المقال في موقع الهيئة العربية للمسرح بتاريخ 02/10/2020
بقلم الناقد المسرحي والإعلامي بوبكر سكيني

شاهد أيضاً

عروض بريطانية على قناة المسرح عبر اليوتيوب

ينظم المسرح الوطني الجزائري “محي الدين بشطارزي”، عروضا افتراضية لمسرحيات بريطانية، على قناته الرسمية عبر …